المفكر
فكرية- فلسفية - بحثية
.
.

العلمانية تحت المجهر

ماذا تعرف عن العَلمانيّة؟(1)

لماذا العودة إلى طرح العَلمانيّة؟

نسعى في هذه الحلقات إلى إعادة طرح موضوع العَلمانيّة على بساط التعريف و بيان المفهوم والمضمون و التطوّر ونبدأ بالوقوف على الدّوافع التي تدفع بنا اليوم إلى معاودة النظر في العلمانيّة (بفتح العين)، والتي نلخصها في أمرين أوّلهما الغموض الذي عاد من جديد كي يلفّ العَلمانيّة ويجعل لها صورة محرّفة و مشوّهة عند الشباب وبين أفراد المجتمع عامّة، صورة ما انفكّ دعاة الانغلاق و التعصّب و استعباد الأرواح و الأبدان من كلّ التيّارات و الاتّجاهات يعملون على ترويجها و يمعنون في إخفاء حقيقتها، فإذا بالعلمانيّة حسب زعمهم "مفهوم غريب و دخيل و ملحد وفاسد". أمّا الأمر الثاني الذي دعانا إلى التذكير بالعلمانيّة ونفض الغبار عنها و إجلاء صورتها و إظهار حقيقتها فهو الظروف و الأوضاع الرّاهنة التي يمرّ بها العرب و المسلمون و الحروب الطائفيّة و الدّينيّة التي تجري مقدّماتها في العراق و تتهدّد باقي البلاد العربيّة والإسلامية و تمتدّ شظاياها إلى بلاد أخرى كثيرة شرقا و غربا حتّى لكأنّ العالم يوشك أن يغرق في عتمة "قرون وسطى" جديدة، ممّا حتم على حمَلة الأنوار و على التقدّميّين و الأحرار في بلادنا العربيّة و الإسلامية أوّلا، و في سائر أرجاء المعمورة ثانيا التنبّه إلى خطورة التيّار و إلى العمل على إحياء القيم المدنيّة الكبرى و البحث عن قارب النجاة من طوفان الدّم الطائفي و العنصري الذي بات يحصد أرواح الآلاف في بلد كالعراق، بعد أن سلّمه المحتلّ الأمريكي-الغربي إلى "المرجعيّات" الدّينيّة و رؤساء الطوائف و العشائر العملاء.

إنّ الكتابات الصّادرة، منذ ما يزيد على القرن، بل منذ عصر النهضة الأوروبيّة ثمّ الثورة الفرنسيّة وغير الفرنسيّة ليست هي التي تعوز القارئ والباحث و الرّاغب في الاطلاع و التثقّف، و هي كتابات بمختلف اللغات لمفكرين و قادة سياسيّين، لأنصار الفكرة و مناهضيها، لمن تولّى بلورتهــاالنّظريّة و لمن مارسها على أرض الواقع. و في هذا السّياق كان للمهتمّين العرب و المسلمين بالمسألة إسهام ذو بال تناول العلمانيّة من جوانبها المختلفة. وقبل أكثر من عشرين عاما شهدت السّاحة الفكريّة و الثقافيّة و السّياسيّة عندنا حراكا أتاحته الفجوة التي تلت أحداث قفصة 1980 وانقلاب 7 نوفمبر 1987 والتي سرعان ما أصبحت ذكرى، و تجسّد في تلك النقاشات و السّجالات الواسعة حول أمّهات الملفّات الشاغلة بال النخبة و المجتمع، بين المشروع المدني الدّيمقراطي و مشروع الدّولة الدّينيّة، وكان لا بدّ أن تكون العلمانيّة (أو اللائكيّة بعبارة تلك السّاعة) في قلب المواضيع المطروحة واتسعت منابر عديدة (الدّوريّة الفكريّة "أطروحات" خاصّة) لطرح تلك الملفّات و احتضان مادّة المطارحات. وقد أثمر الجدل حول "اللائكيّة" و الدّولة الدّينيّة مادّة جديرة بالجمع و النشر لم يجمع منها وينشر –فيما نعلم- سوى كتاب "في اللائكيّة" للرّفيق حمّه الهمّامي، لكن هذا التأليف على قيمته الوثائقيّة وقيمة الرّؤية التنويريّة والتقدّميّة التي قادته، يبقى متأثرا بظروف السّجال التي ولّدته، و معنى ذلك أنّه أثر نظري يتوفر على قيمة عمليّة من كونه نتاج مواجهة لأسلة الواقع و مجابهة للأضداد، لكن مهمّته لم تكن تثقيفيّة بالمعنى المدرسي والتكويني الذي نحتاج اليوم إليه، ولا يمكن أن تسدّ مسدَّ المراجع الأساسيّة المطلوبة في الموضوع. ولعلّ من الآثار الإيجابيّة لتلك النقاشات التي قابلت بين الرّؤى و المشاريع في الثمانينات والتسعينات حول صورة المجتمع التّونسي المنشود، ما تمّ على صعيد الجامعة من اهتمام بعض دوائر البحث و الباحثين في الحضارة و علم الاجتماع بالموضوع ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى العمل الذي أنجزه الأستاذ فتحي القاسمي في إطار المرحلة الثالثة تحت عنوان "العلمانيّة و طلائعها في مصر" والذي لم يتسنّ له أن ينشره كاملا غير مبتور إلا بمصر سنة 1999. هذا الكتاب ثمرة بحث وتقصّ، و يضمّ حصيلة نظر صاحبه في نشأة العلمانيّة و تطوّرها و طروحها العربيّة والإسلاميّة والأطراف المتقابلة عليها وبالتالي فإنّ الكتاب يكتسي أهمّيّة تثقيفيّة رغم ما نختلف فيه معه حول نظرته التي نراها تحتاج أحيانا إلى تعديل حتّى يقع إنصاف العلمانيّة من غلاة خصومها دون تردّد أو احتشام.

أمّا الملابسات التي تحفّ اليوم بإعادة العلمانيّة إلى دائرة الضوء فلا أحد يجهلها أو يحقّ له أن يتجاهلها، بل لعله لم تكن الحاجة إلى الحلّ العلماني ماسّة في البلاد العربيّة مثلما هي الآن، و هذه البلاد تقف على بركان الحروب الطائفيّة و الدّينيّة، فضلا عن مخاطر صعود تيّارات دينيّة متطرّفة لا تميّز بين الدّين و السّياسة، و فضلا عن استغلال الأنظمة الحاكمة للدّين في خطابها الانتخابي وفي محاربة المعارضة الدّيمقراطيّة. وقد دلّت التّجربة على أنّ التشويه لا يأتي إلى العلمانيّة من خصومها الموجودين داخل الحكم و خارجه فحسب، بل كذلك من بعض "المدافعين" عنها مثلما شاهدنا ذلك مؤخرا في بعض القنوات العربيّة، حين تولّى الدّفاع لسان الامبريالية و الصّهيونيّة فبدا لمن يجهل حقيقة العلمانيّة كأن كلام أعدائها هو الصّواب، أو مثلما نسمع و نرى أحيانا في بلادنا حين يصبح بعض "أصوليّي العلمانيّة" حلفاء للدّكتاتوريّة النوفمبريّة تحت غطاء "مقاومة الظلاميّة" فإذا به متواطئ معها أو مبرّر لقمعها وفسادها و عمالتها.

و لذا سنسعى إلى تقديم مادّة تعريفيّة و تاريخيّة مبسّطة و نبدأ بتدقيق المصطلح وإيضاح العلاقة بين العَلمانيّة (بفتح العين" و العِلمانيّة (بكسر العين) واللائكيّة، هذا الثالوث الجاري على ألسنة النّاس والذي كثيرا ما يختلط أمره عند أغلبيّتهم.
المصدر المنقول منه .
صوت الشعب - العــدد 245   [ السبت، 22 أفريل 2006 ]

(15) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 27 يونيو, 2007 04:56 ص , من قبل issamtantawi
من الأردن

يهمني جداً كعِلماني موضوع العلمانية .. بكسر العين أو برفعها موضوع جدير بالمناقشة و القراءة الهادئة .. أحب أن أعود إليه بتمهل و بصحو لآنني أوشكت على النوم


اضيف في 27 يونيو, 2007 01:13 م , من قبل mohammed55saeed
من سوريا

بداية جميلة ..
وأنا مع العلمانية ومع تطبيقها بمعنى
" فصل الدين عن الدولة "

تمنياتي لك بالتوفيق .
دمت بخير .

محمد سعيد


اضيف في 27 يونيو, 2007 05:38 م , من قبل y85f

بداية موفقة ..

لكني قد لا اتفق معكم في كل شيء ..

سانتضر الحوار

الموضوع كبير وحساس ويحتاج مساحة واسعة للنقاش .

شكرا لمرورك الى صفحاتي ..

ودمت طيبا




اضيف في 27 يونيو, 2007 08:08 م , من قبل jar2007
من مصر

اضيف في 27 يونيو, 2007 08:06 م , من قبل emad203a
من مصر
ألف ألف مبروك لزواج بنت الاخت الحبيبه منى


اضيف في 27 يونيو, 2007 10:29 م , من قبل dhifaf
من المغرب

موضوع يكتسي أهمية خاصة ويفتح نقاش من نوع خاص .فهو من أكثر المواضيع التي أسالت حبرا غزيرا في العالم العربي نظرا لما راكمه المفهوم من تأويلات وقراءات كان أغلبها مبني على سوء الفهم والمغالطات.وأعتقد اننا اليوم بحاجة ماسة الى إعاطة طرحه بشكل أكثر وضوح...
//.......................ضفاف


اضيف في 27 يونيو, 2007 10:44 م , من قبل doctorbob1
من الأردن

جئت لأبارك لك بمدونتك الجديده

رغم انني بت اخشى هذه المدونات لعدم ثقتي بالكثير من اعضاء جيران وخصوصاً بعد انتشار عدد لا بأس به من مراهقي التدوين..دون اتهامك سيدي..معذرة

فقد تبين في الاونة الاخيرة ظهور عدد من المدونات التي تحاول ان تطرح افكاراً جريئة وفي نيتها اسقاط بعض المدونين الافاضل من أجل التشهير بهم..سأنتظر قليلاً

وشكرا لدعوتك ونتمنى لك التوفيق

دمت بخير





اضيف في 28 يونيو, 2007 12:34 ص , من قبل aouab1
من المغرب

طرح جيد، أفكار مهمة جدا يلزم الوقوف عندها و وضعها تحت مجهر العقل من أجل تحليلها كلمة كلمة..
و أهلا بكل فكر نافع
شكرا على مرورك بمدونتي
وفقك الله
ـ عبدالعالي أواب


اضيف في 30 يونيو, 2007 09:35 م , من قبل kindaaa
من المغرب

elmofker1
/
/
إن الفلسفة العلمانية ومنهجها القائم على عزل الدين عن شؤون الحياة ، ومن ثم فاختزاله في أوضاع محددة ، لا شك أنها فلسفة مناقضة تماما لدين الإسلام ، ومصادمة كليا لأصول الشريعة وكلياتها ، وهي فلسفة نشأت وترعرعت في ظل ظروف بيئية وفكرية معينة ، وفي أوضاع اجتماعية ودينية معروفة ، ساعدت على نجاح هذه الفلسفة ، وتبوأها للصدارة في تلك البلاد ، إذ كانت قارب نجاة من جحيم التخلف والظلم والطغيان الكنسي الآثم ، فأتى بعض الأغبياء من قومنا فجاءوا بها ( كما هي ) ونقلوها لبلاد الإسلام ،معتقدين أن لا صلاح لنا إلا باعتناقها ، والسير في ظلامتها ..
/
شكراً لـ طرحك المميز
ولك تحيتي / كِنــدا


اضيف في 08 يوليو, 2007 11:33 ص , من قبل elmofker1

الاساذ عصام طنطاوي أولا أهلا بك ونرحب وانا تعندت قبل التعليقات ان اقرأمدونات من يعلق عندي وللأسف لم اجد لك مدونة فغاب عني المستوى الفكري الذي انت عليه ولكن مرحبا بك


اضيف في 08 يوليو, 2007 12:00 م , من قبل elmofker1

الاستاذ محمد سعيد العلمانية ليست وجه واحد فهم يحاولون نسب الخلاعة والمجون الى العلمانية وليست العلمانية هي السبب بل السبب الرأسمالية التي حعلت من المرأة سلعة تباع وتشري وتعرض جسدها حتى انهم يخروا رجال الدين لهم فمنهم من افنى بزواج المسيار ومنهم من حلل زواج السياحة وهكذا رأس المال اشترى كل شئ كلشئ سلعة تباع وتشترى


اضيف في 08 يوليو, 2007 12:04 م , من قبل elmofker1

الاخ عراقي انا هيا ياصديقي اطرح ردودك ودخل معنا في النقاش وهيا هات ما بجعبتك حتى نستفيد جميعا من بعضنا البعض


اضيف في 08 يوليو, 2007 12:08 م , من قبل elmofker1

نعم ياضفاف لم تتقدم العلمانية بالمفهوم الجديد الملائم لمجتمعنا العربي ولكن هناك محاولات الان لذلك وإعادة طرح لها لتتمشى مع المتغيرات العالمية الجديدة وسياقات عالمنا العربي وهناك محاولات جادة في ذلك ستؤدي الى توضيح النفاهيم المغلوطة التي نسبت للعلمانية وتوضح الفرق بين العلمانية الهادفة والعلمانية الامريكية والرأسمالية


اضيف في 08 يوليو, 2007 12:10 م , من قبل elmofker1

لاتتوجس ايها الدكتور بوب ولا تخف افكارك وانت صاحب القلب الجرئ لاحظت على مدونتك الكثير من الافكار الجريئة والهامة في انتظار مشاركاتك ومساهماتك


اضيف في 08 يوليو, 2007 12:15 م , من قبل elmofker1

الشاعر عبد العال اواب من المغرب اهلا بك وننتظر اسهاماتك في مواضيعنا حتى نستفيد من خبرتك وخاصة انك تمثل وجانب من الشرائح الاجتماعية بل وتمثل طبقة هامة في المجتمع العربي عانت اشد المعاناة من غياب ونهب لحقوقخا في ظل المجتمعات التي تتوارى خلف الدين ومن الحكومات التي تدعي انها تنشر الدين وتحمي الناس من فكر العمال الذي هو فكر عملي ويميل الى العلمانية وغزو الأصوليين لهذه الطبقة لهو كارثة كبرى حتى يبتعد العمال عن المطالب الاساسية لهم في مجتمعاتهم وحتى لايحلمون بأن يمثلوا تمثيلا فعالا في الحكومات


اضيف في 08 يوليو, 2007 12:23 م , من قبل elmofker1

الأستاذة كندا لقد تم استيراد العلمانية كما استورد المسلمون الاوائل الفلسفة السقراطية والافلطونية والارسطية فلا عيب من استيراد الافكلار ولكن العيب في عدم تطبيقها مع الواقع من خلال التغيير في المختلف عن مناهجنا بالاضافة ان العلمانية تجدد نفسها اضافة انها المخرج الوحيد في ظل الظلام الجاثم على صدر امتنا من الظلاميين الاصوليين الذين يريدون ان يعودوا بالمجتمع الى الوراء ولكن قال النبي (ص ) انتم اعلم بشؤن دنياكم والسياسة من شؤن الدنيا كذلك الاقتصاد لكن روح الاسلام مع العدل لابد وان نأخذ روح الدين فنطبق العدل ولكن ليس اجباريا ان نطبق ما طبقه عمر بن الخطاب لانه لايوج الان عمر بن الخطاب المطروح الان تنماذج للتجارة باسم الدين وارجعي يا استاذة الى الحكومات الدينية في عالمنا العربي وايران ستجدين نماذجا متخلفة ظالمة قامعة للشعوب باسم الدين




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.